التخطي إلى المحتوى

على و عبد الرحمن صديقان منذ الطفولة جمعهما أحد أحياء القاهرة الشعبية حيث يسكنان فى نفس الشارع و يذهبان إلى نفس المدرسة بل معاً فى نفس الفصل ، و رُغم صداقتهما القوية إلا أنهما كانا دائماً يتنافسان دراسياً فكثيراً ما تبادلان المركزين الأول و الثانى على صفهما .
مرت أيام الطفولة سريعاً و إلتحقا سوياً بالمدرسة الثانوية التابع لها الحى الذى يسكنان به ، ذاكرا معاً و لعبا معاً و كانا يجتمعان على كل شئ حتى لعبتهما المفضلة ( كرة القد م ) ، و قبل الإمتحانات النهائية بعدة شهور تُوُفِىَّ والد عبد الرحمن إثر حادث أليم ، و مَرَّ عبد الرحمن بظروف نفسية قاسية رُغم محاولات أمه و أقاربه المستمرة لإخراجه من هذه الحالة النفسية ، و فاته العديد من الدروس فى الوقت الذى كان على فيه يجد و يجتهد و يسابق الزمن من أجل الإستعداد للإمتحانات و تحت رعاية والديه .
بدء عبد الرحمن الخروج من حالته النفسية شيئاً ما مع إقتراب موعد الإمتحانات و حاول جاهداً إدارك ما فاته لكن لم يُسعِفهُ الوقت ، فكر فى عدم دخول الإمتحانات فيما فضلت أمه دخوله الإمتحانات حيث كلفتهم هذه السنة الدراسية أموالاً كثيرة و بعد وفاة عائل الأسرة الوحيد لن تسطيع تحمل هذه النفقات مرة أخرى ، و إقتنع عبد الرحمن بذلك .
دخلا الصديقان إمتحاناتهم و إنتها منها و جاء موعد النتيجة و كانت كأغلب التوقعات حيث حصل على على مجموع 94 % فيما حصل عبد الرحمن على مجموع 79 % ، و رُغم توقع عبد الرحمن سوء المجموع قبل ظهور النتيجة إلا أن حالته النفسية إزدادت سوءً ، و كانت أمه له خير معين ، وقفت إلى جوار ولدها و ساندته معنوياً و إستطاعت أن تجعله يرضى بما قسمه الله له و أقنعته أن هذا المجموع ليس النهاية بل قد يكون بداية جديدة لحياة أفضل و أنه هو بمجهوده من سيحدد ذلك ، و إتفقا سوياً على ضرورة أن يتجاوز تلك الأزمة خاصة و أنه العائل الوحيد للأسرة بعد وفاة والده الذى كان يعمل بإحدى شركات القطاع الخاص .
هذا عن عبد الرحمن ، أما على فقد حقق حُلمه و إلتحق بكلية الهندسة جامعة القاهرة ، و قضى عامه الدراسى الأول ما بين اللعب و التنزه مع أصدقائه الجدد الذين تعرف عليهم بالكلية ، و مع كثير من الإستهتار و اللامبالاة و إنتهاء الطموح عنذ ذلك الحد كانت النتيجة رسوبه فى عامه الأول بكلية الهندسة . و كان رسوبه هو بداية مسلسل المشاكل و الخلافات مع والده و إعتاد عقب كل خلاف ترك المنزل و اللجوء لأحد أصدقائه و ما كان ذلك يزيد الخلاف إلا خلافاً . و بمحاولات مستمرة من أمه و بعض أقاربه لحل تلك الخلافات و إقناع على بالتركيز فى دراسته خوفاً على مستقبله و إرضاءً لوالده ، و ما بين مشكلة و هدنة خلال سنوات الدراسة الستة ( خمس سنوات رئيسية و سنة الرسوب ) إستطاع على الحصول على بكالوريوس الهندسة بتقدير عام ( مقبول ) .
إستطاع بعد ذلك والد على أن يحصل له على وظيفة بإحدى شركات القطاع الخاص و ذلك بمساعدة أحد أصدقائه ، و لم يتمكن على من إثبات ذاته فى وظيفته الجديدة حيث تخرج من كليته ليس بتقدير مقبول فحسب بل إكتسب أيضاً العديد من الصفات السلبية و العادات السيئة و كان كل هذا كافياً لسوء أدائه الوظيفى و تمت إقالته قبل أن يُكمل بالوظيفة عامه الأول .
و بعد عدة شهور تمكن من الإلتحاق بوظيفة أخرى بإحدى دول الخليج بمرتب مجزى ، و لكن لم يزده المال إلا إستهتاراً على إستهتاره و حدثت له العديد من المشاكل أيضاً بهذه الوظيفة و بمساندة من والده و بعض أصدقائه بهذه الدولة إستطاع أن يستمر بتلك الوظيفة فترة طويلة تزوج خلالها بإبنة خاله الحاصلة على بكالوريوس علوم و قام بتطليقها بعد عام واحد من الزواج حيث لم تتحمله فى الغربة حيث الإستهتار و السهر و اللامبالاة و عادت وحيدة إلى أرض الوطن ، و فى إحدى أجازاته هو الآخر بعد ذلك إتفق مع بعض أصدقائه القدامى على قضاء عدة أيام بمدينة الغردقة و بالفعل سافروا جميعاً بسيارته ، و بعد إنتهاء المدة التى حددوها سوياً و فى طريق عودتهم و هم على مشارف مدينة القاهرة كان يسير على بسيارته بسرعة جنونية أدت إلى تصادمه بسيارة أخرى كانت تسير أمامه ( كأنك حملت سيارة على و وضعتها على السيارة الأخرى ) ، و نتج عن ذلك الحادث وفاة طفل عمره عشر سنوات و إصابة والده و أخته بجروح خطيرة . و قامت الشرطة سريعاً بالقبض على على و زملائه و تم عرضهم على النيابة ، و عند إجراء أول تحقيق فوجئ على بأن وكيل النيابة المُكَلف بالتحقيق معه هو صديق الطفولة الذى لم يره منذ سنوات حيث رحل و أسرته عن المنطقة التى يسكنون بها و إنقطعت بينهم كل وسائل التواصل .. وكيل النيابة هو عبد الرحمن .
عبد الرحمن الذى إلتحق بعد مجموعه الضعيف فى الثانوية العامة بكلية الحقوق ، و ظل طيلة سنوات الدراسة الأربع يجد و يجتهد طوال شهور الدراسة من أجل أن يحصل على تقديره المفضل ( إمتياز ) ، و يعمل طوال شهور الصيف من أجل أن يساند أمه لمواجهة ظروف المعيشة القاسية التى مَرٌّوا بها بعد وفاة والده . و إلتحق بعد حصوله على الليسانس بالسلك القضائى و لما لا و هو أول دفعته أربع سنوات و حاصل على تقدير عام ( إمتياز مع مرتبة الشرف ) .
و سأترك لخيالك عزيزى القارئ إستكمال باقى القصة كيفما شئت ، و فى الختام أخاطب الآباء و الأبناء و أقول :
الثانوية العامة ما هى إلا مرحلة بحياة أبنائنا ، النجاح فى عبورها ليس معناه النجاح دائماً ، و الفشل فى عبورها ليس معناه الفشل للأبد . بالطبع نحن بحاجة إلى طبيب ( ناجح ) و مهندس ( ناجح ) و مُعَلم ( ناجح ) . نُقدر بالفعل مجهود من نجح فى الإلتحاق بكلية الطب – مثلاً – و نُثنِى عليه لكن عليه أن يعلم أنها البداية و بدون أن يُكمل المسيرة بنفس الخطى فلن يكون .
و أيضاً من فشل فى الحصول على مجموع عالٍ – إن أسميناه فشلاً – فهذا فشل فى تلك المرحلة فقط و عليه أن يعلم أنها ليست النهاية .
و على هذا و ذاك أن يعلما أن النجاح ليس فقط بالتعليم و العمل فحسب لكن هناك جوانب أخرى منها الإجتماعية و الأخلاقية و الإنسانية على الفرد أن يسعى جاهداً للنجاح بها حتى تكتمل قصة نجاحه و يستمتع بها .
دمتم بخير .

لمتابعة الكاتب على الفيسبوك :محمود الشاذلي